الميرزا جواد التبريزي

7

الموسوعة الرجالية

العودة إلى حوزة قم المقدسة وهكذا حتى سنة 1393 ه . ق فقرر الشيخ قدّس سرّه العودة إلى إيران ، وذلك للمضايقات من قبل حكومة العراق لأهل العلم ، وقد طلب منه بعض علماء النجف المعروفين البقاء وعدم الذهاب من النجف بمن فيهم السيد الخوئي رحمه اللّه ، ولكنه قد ضاق صدره بما يراه من منكرات وظلم للمؤمنين على يد الظلمة في العراق ، فودع النجف مأسوفا عليه ، ونزل قم المقدسة واحتف به طلابها . فشرع في درسه خارج المكاسب والأصول في بيته ، ومن ثم في مسجد ( عشق علي ) ، ولما كثر تلاميذه انتقل إلى حسينية أرك القريبة من داره إلى أن كثر حضار الدرس كثرة لا يسعهم المكان فانتقل إلى المسجد الأعظم بالحرم المطهر ، فبلغ تلاميذه ألفا في الفقه . ومن حضر بحثه وجده مشتملا على مطالب عميقة وشواهد كثيرة وكليات عريضة يطبقها على صغرياتها باستدلال رصين وشاهد متين ، وجمع عرفي للروايات واطلاع واسع وتحقيق دقيق في علم الرجال وحال الرواة . يمتاز سماحته قدّس سرّه بمنهج علمي متميز وأسلوب خاص به في البحث والتدريس ، ذلك أنّه كان يطرح في أبحاثه الفقهية والأصولية العليا موضوعا ، ويجمع كل ما قيل من الأدلة حوله ، ثم يناقشها دليلا دليلا ، فيقيم الأدلة القطعية المتقنة على قوة بعض من تلك الأدلة وقدرتها على الاستنباط ، فيخرج بالنتيجة التي يرتضيها ، وقد سلك معه الطالب مسالك بعيدة الغور في الاستدلال والبحث ، كما هو شأنه في تأليفاته القيمة ، بما يجد المطالع فيها من تسلسل للأفكار وبيان جميل مع الدقة في التحقيق والبحث . وأما الأصول فقد درّس ثمان دورات وتلمّذ له المئات من الفضلاء . وينبغي الحديث عن شخصية الأستاذ من جانبين : 1 . الجانب السلوكي كان الأستاذ رحمه اللّه قوي الشخصية ، متين في جريه ، حذر فطن ، ذو رقة ورحمة لا يعرفها كل أحد ، مواظب على صلاة الليل ، بكّاء ، وخصوصا في عزاء سيد الشهداء عليه السّلام ، ترابي المنهج في الحياة ، زاهد في الدنيا بعيد عن كل تكلفات الحياة ، ذو همة عالية ، دائم التفكير في مطالبه العلمية ، قلّما تجده فارغا . وقد قال يوما : « إني ما عرفت التعطيل أربعين سنة ، ليلا نهارا » ، وكان كثيرا ما يقول : « إنني طلبة » . وكان كثير التفكير بالموت ، يقرأ وصيته دائما ، لم تتغير حالته بعد أن أصبح مرجعا ، فكثيرا ما تراه وحده ، يقول أحد الفضلاء : « قد رأيته يوما بعد أن خرج من درس الفقه فتبعته لعليّ أستفيد شيئا منه من مطلب علمي أو عبرة أعتبرها ، فرأيت عليه عباءة ممزقة . فقلت له : شيخنا ، إن عباءتك ممزوقة ، وكنت أظنه لا يعلم بذلك ، فقال لي : أعلم ، وعندي عباءة جديدة ، ولكن هذه أحب إلى قلبي ، قلت : ولماذا ؟ قال : لعلّ هناك طالب علم عباءته ممزقة ويستحي أن يخرج بها ، فإذا رآني تشجع وخرج » . وكان شجاع القلب ، شديد لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وخير دليل على ذلك وقوفه بوجه المنحرفين عن خط أهل البيت عليهم السّلام وتصديه ورفعه لعلم الولاء رغم خطورة الموقف ، وقد حذّره بعض المحبين بأن تصديكم لهكذا أشخاص ليس في صالح مرجعيتكم ! ! فقال : « لتذهب مرجعيتي وأولادي ونفسي فداء لأهل البيت عليهم السّلام » . فأعلن رأيه وفتواه صريحا في الذين يصطادون في الماء العكر ، ويحاولون تشكيك الناس وتسخيف عقائد الشيعة ، فأفتى بضلالتهم ووجوب مقاطعتهم وحرمة إعانتهم ، بل ودعا إلى إحياء الشعائر الحسينية والفاطمية وشارك فيها أي مشاركة حتى بلغت إحياءات الفاطمية مبلغها وصارت عاشوراء ثانية في عصر مرجعيته ودفاعه عن المعتقد والولاء ومواجهته للضلال والتشكيك .